ابن قيم الجوزية

537

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فيجيء من هذا : أن المتكبر غير راض بعبودية سيده ، إذ عبوديته توجب رضاه بأخوة عبده . وهذا شأن عبيد الملوك ، فإنهم يرون بعضهم خشداشية بعض . ومن ترفّع منهم عن ذلك : لم يكن من عبيد أستاذهم . قوله « وأن لا ترد على عدوك حقا » . أي لا تصح لك درجة « التواضع » حتى تقبل الحق ممن تحب وممن تبغض فتقبله من عدوك كما تقبله من وليك ، وإذا لم ترد عليه حقه ، فكيف تمنعه حقا له قبلك ؟ بل حقيقة « التواضع » أنه إذا جاءك قبلته منه ، وإذا كان له عليك حق أديته إليه ، فلا تمنعك عداوته من قبول حقه ، ولا من إيتائه إياه . وأما « قبولك من المعتذر معاذيره » . فمعناه : أن من أساء إليك . ثم جاء يعتذر من إساءته ، فإن « التواضع » يوجب عليك قبول معذرته ، حقا كانت أو باطلا . وتكل سريرته إلى اللّه تعالى . كما فعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنافقين الذين تخلفوا عنه في الغزو . فلما قدم جاؤوا يعتذرون إليه ، فقبل أعذارهم ، ووكل سرائرهم إلى اللّه تعالى . وعلامة الكرم والتواضع : أنك إذا رأيت الخلل في عذره لا توقفه عليه ولا تحاجه وقل : يمكن أن يكون الأمر كما تقول ، ولو قضي شيء لكان ، والمقدور لا مدفع له . ونحو ذلك . قال : « الدرجة الثالثة : أن تتّضع للحق . فتنزل عن رأيك وعوائدك في الخدمة ورؤية حقك في الصحبة . وعن رسمك في المشاهدة » . يقول « التواضع » بأن تخدم الحق سبحانه . وتعبده بما أمرك به ، على مقتضى أمره . لا على ما تراه من رأيك . ولا يكون الباعث لك داعي العادة . كما هو باعث من لا بصيرة له ، غير أنه اعتاد أمرا فجرى عليه . ولو اعتاد ضده لكان كذلك . وحاصله : أنه لا يكون باعثه على العبودية مجرد رأي ، وموافقة هوى ومحبة وعادة ، بل الباعث مجرد الأمر ، والرأي والمحبة والهوى والعوائد : منفذة تابعة ، لا أنها مطاعة باعثة . وهذه نكتة لا يتنبه لها إلا أهل البصائر . وأما « نزوله عن رؤية حقه في الصحبة » . فمعناه : أن لا يرى لنفسه حقا على اللّه لأجل عمله . فإن صحبته مع اللّه « 1 » بالعبودية والفقر المحض ، والذل والانكسار ، فمتى رأى لنفسه عليه حقا فسدت الصحبة ، وصارت معلولة وخيف منها المقت . ولا ينافي هذا ما أحقه سبحانه على نفسه ، من إثابة عابديه وإكرامهم ، فإن ذلك حق أحقه على نفسه بمحض كرمه وبره وجوده وإحسانه ، لا باستحقاق العبيد ، وأنهم أوجبوه عليه بأعمالهم . فعليك بالفرقان في هذا الموضع الذي هو مفترق الطرق . والناس فيه ثلاث فرق : فرقة رأت أن العبد أقل وأعجز من أن يوجب على ربه حقا ، فقالت : لا يجب على اللّه شيء البتة وأنكرت وجوب ما أوجب على نفسه .

--> ( 1 ) لو كان غير هذا التعبير لكان أليق بجناب الرب سبحانه .